تعرض مورينيو طوال مسيرته لموجات من السخرية من جماهير برشلونة التي دأبت على وصفه بـ«المترجم»، في إشارة إلى بداياته المتواضعة عندما عمل مترجماً للأسطورة السكتلندي السير بوبي روبسون في أندية سبورتنج ليشبونة، بورتو، وبرشلونة منذ عام 1996. وانتقل المدرب البرتغالي بعد ذلك لتولي تدريب بنفيكا قبل أن ينطلق في مسيرة حافلة توج خلالها بدوري أبطال أوروبا مرتين، وحقق نجاحات كبرى في إنجلترا وإيطاليا وإسبانيا، ليؤكد أن قدراته تتجاوز بكثير مجرد نقل الكلمات.
أظهر الفوز الأخير لريال مدريد على برشلونة بهدفين مقابل هدف واحد الحنكة التكتيكية الكبيرة التي تتمتع بها تشكيلة المدرب البالغ 26 عاماً في عالم التدريب. وخاض ريال مدريد اللقاء بتنظيم تكتيكي ضم أربعة لاعبين في خط الوسط وغياب فينيسيوس جونيور الموقوف، بينما اعتمد المدرب على فالفيردي كظهير أيمن، ودفع ببرناردو سيلفا بجوار أورييل تشواميني في المنتصف، مع تكليف سيلفا برقابة لصيقة على بيدري للحد من خطورته.
اعتمد ريال مدريد على استدراج لاعبي برشلونة المندفعين في الأطراف قبل استغلال المساحات الشاسعة في الجانب البعيد عبر التمريرات الطويلة أو المهارات الفردية، وخصوصاً عبر التقدم من الجهة اليمنى إلى اليسرى حيث تواجد مارك كوكوريليا خلف لامين يامال. وأوضح مورينيو عقب اللقاء أن الاختراق عبر الانطلاقات العميقة للاعبي الوسط تسبب في ارباك الخط الهش للمدرب هانز فليك، في إشارة توحي برغبته في رسم خارطة طريق لخصوم برشلونة المستقبليين.
واجه المدرب البرتغالي في السنوات الأخيرة تفضيلاً عاماً لمدربين يعتمدون على أنماط لعب ثابتة ومواقع محددة، بينما يفضل هو الاعتماد على جودة لاعبيه ومرونة أساليبه التي تختلف باختلاف الفرق التي يديرها. وتعود جذور هذه الفلسفة إلى تأثره بـ«الفترة التكتيكية» التي أطّرها فيكتور فرادي خلال عملهما المشترك في بورتو منتصف التسعينيات، وهي نظرية ترفض فصل الجوانب البدنية والنفسية والفنية والتكتيكية عن بعضها البعض، معتبرة أن كرة القدم نشاط متكامل لا يقبل التجزئة.
تميل الفرق التي تقودها أفكار فرادي وتدريبات مورينيو المكثفة والقصيرة المرتكزة دائماً على الكرة إلى قبول الفوضى داخل الملعب والتعامل معها بدلاً من محاولة محاصرتها. وفي وقت ميز العقد الماضي سيطرة مدربين يعتمدون على الاستحواذ المفرط والأشكال المتناظرة والثابتة، فإن عودة الضغط الفردي وزيادة النسق العشوائي في المباريات قد تصب في مصلحة أسلوب مورينيو القائم على تجهيز اللاعبين لإيجاد الحلول الفردية والجماعية بأنفسهم.
أثمر هذا النهج في موقعة الكلاسيكو عن تألق عناصر بحجم كيليان مبابي وجود بيلينغهام وبرناردو سيلفا، حيث أدى كل لاعب دوره بأسلوب فريد صب في مصلحة الفريق عندما كانت المخاطر في أقصاها. ومع عودته لتدريب ريال مدريد بعد أعوام طويلة من محطاته في توتنهام روما ومانشستر يونايتد وتجربته الجديدة مع بنفيكا، يبدو أن التحولات الكروية الحالية تمنح مورينيو فرصة لكتابة فصل جديد في مسيرته التدريبية الحافلة.